
صخورٌ مهشمةٌ.. أسماكٌ يابسةٌ.. جثثُ حيوانات مائية.. نخيلٌ متيبس.. أوانٍ صدئةٍ.. بقايا هياكلٌ عظمية لحيواناتٍ نافقةٍ.. نفاياتٌ.. أحذيةٌ عسكريةٌ تقطنها سرطاناتٌ مخيفةٌ.. أيادٍ مفجوعةٍ تمسك بعددِ الحفرِ وزوارقُ خشبية محطمة . ترى كم مرةً عَبَرتْ ؟ ومَنْ حملتْ عند غرقها ؟ كلها أضرحةٌ تؤكدُ موت النهر.
المدينةُ ظمآى تبكي نهرها ، تجمهر الناس بعيونٍ قلقةٍ متأرجحين بين عالمين ، في كلِ عالمٍ يضعون قدماً ، في برزخٍ بين ارتواءٍ وعطش ، نورٌ وظلام ، بين حياةٍ وموت ، صراخٌ وصمت ، ابيض واسود.
امرأة متسولة ترتدي سروالاً رجالياً ازرق شعرها ذو تسريحة رجالية بلون الكستناء ، تمسكُ بيدها اليسرى سيكارتها ، أفعى خضراء موشومة فوق كفها عند الإبهام ، كأنها تنفث سحباً زرقاً دخانية ، وتارةٌ تمجُّ نفساً طويلاً رصاصياً كالجحيم ، عيناها بلون الحبر الصيني تراقب الناس ببلادة بغل ، نظرات ثابتة ثقيلة ، صرختْ في صوتٍ كوارثيّ :-
- اتركوا جسد النهر يا كُفّار !
تعانقتْ نقاط الوشمِ الأربعةِ الموزعة في زوايا فمها الأدرد ذي الشفاه البنفسجية ، تردد نداؤها:-
- اتركوا المدينة .
الناس ضاجون كضجيج كورَة زنابير ، تدافعوا ناحية النهر يبحثون عن بقايا حروبهم الماضية وآخرون يتصورونه مستودعاً يحتفظ بخيباتهم ، تنفث المتسولةُ دخان سيكارتها بمتعة ، سروالها يتطايرُ عابثاً مالئاً الحيّز بين قدميها ، عاوتْ زعيقها :-
- توبوا.. اطلبوا التوبة يا خطاة ...!
تدافعَ جيشُ الأطفالِ مطارداً ضفدعةً مرعوبةً ، النساء والرجال يتضرعون بأصواتٍ مستجيرةٍ أوجرتْ المتسولة كلماتها في صدورِ لمتضرعين :-
- كفى آن لكم ان تموتوا . استطردتْ : انتظروا موتكم .
هتف آخر :-
- لنترك المدينة .
نادى أحدهم بتساؤلٍ خُرافيّ مبتور :-
- مَنْ تنتظرون يا مساكين ؟
صَدَحَ اسمجهم بصوتٍ فيه نبرةُ انكسارٍ :-
- غادروا المدينة . لنْ يجري النهر أبداً...!
أمواجُ البشرِ تلدُ أمواجاً أخرى ، تتناسل كالذباب ، يتصاعد غبارها لافاً دائراً يندب نفسه كنساءٍ معزياتٍ ، ينفذُ صوت المرأة المتسولة كالرمح إلى خاصرةِ المدينةِ :-
- موتوا . آن لكم ان تموتوا .
♥ ♥ ♥
يهلوسون بكلماتٍ كالمحمومين :- انتظرناك ألف ليلة وليلة ، ولم تأتِ.. ♥ ♥ ♥
الشَّمسُ تتفتتُ كالبخار بفعلِ غيومٍ عاجيةٍ جعلتْ نفسها فرشاةً تغمسها بلهب الشمس صانعةً لوحةً صارخةً تكثر فيها ضرباتِ الفرشاةِ السرياليةِ ، المعاول تحفر في جسدِ النهر آباراً فراغةً ، كل فردٍ يحفرُ لنفسهِ بئراً ، أصبح جسد النهر مجدوراً بملايين الآبار العميقة ، رائحة الطين تملأ المكان شوقاً لقطرةِ ماءٍ ، يحركهم لحنُ تدفق المياه بداخلهم ، تَوجَّعَ المجدورُ من ضرباتِ الفؤوسِ النابشةِ ، المتسولةُ تستجدي وتبكي ، تبكي وتستجدي بصوتٍ جنائزي :-
- جئتُ لأموت . امنحوني قبراً .
مجرى النهر خارطةٌ رُسمِتْ عليها مقبرةٌ حديثةٌ ، وجوه الحفارين زرق مجهدة مثل طينٍ غليظٍ مُزِجَ بمياهٍ آسنةٍ ، يُدهشهم استجداء المتسولة :-
- لله يا محسنين قبراً لفقيرة...!!!
تدثر القمر بغيماتٍ بيضٍ قطنيةٍ ، عّنفها أحدُ حفاري الآبار الشبّان منزعجاً :-
- عشتِ حياتكِ كلها في الشحاذةِ.. و اليوم تستجدين قبراً.. ابتعدي .
خرج صوتها يرافقه دخان سيكارتها ساحباً كلماتها بصريرٍ موجعٍ كمن يسحب سريراً حديدياً على بلاطٍ:-
- يا الهي لماذا يقف الإنسان ضد الإنسان ؟
نهرها ثانيةً :-
- ابتعدي أيتّها المجنونة .
أشعلتْ سيكارة جديدة من عقبِ سيكارتها المنتهيّة ، مجَّتْ دُخانها نفساً طويلاً من غيومٍ رصاصيةٍ مشعثةٍ ، قالتْ وهي تواصل نفث عباراتها الغامضة :-
- مساكين أهل الأوهام يحفرون قبورهم .
رن كلامها مثل ضربات فؤوس تنبش الآرض بسخطٍ :-
- ادفنوا فيها : أحلامكم... ذكرياتكم ... حروبكم ... خطاياكم... أوهامكم...
ابتلعتْ ضربات المعاول كلماتها ، عاودتْ موّال استجدائها الحزين :-
- قبراً لفقيرة !!!
♥ ♥ ♥
طبول تقرع تضرعا : (( متى يجري النهر ؟ )) .
♥ ♥ ♥
الغيوم عناكب خردلية نسجتْ مكوكاتها شباكاً معتمةً اصطادت الشَّمس والبشر . البشر مطاردون بتدفقِ أصوات المياه ، هرولتْ كلمات أحدهم :-
- احفروا . استمروا بالحفرِ 00 سنجد الماء حتماً .
تتضاحك معاولهم بأصواتها القاضمة للطين ان : لا جدوى !
قال آخر :-
- واصلوا الحفر .
جهر صوتٌ نسائي من حفرةٍ بعيدةٍ :-
- لقد جرى... جرى...احفروا .
ابتلع كهلٌ ريقه باصقاً بشدة في كفيه ، صاح مفجوعاً :-
- نحنْ متواطئون مع الشيطان...
كَفَنَ صوته ووضع في تابوتٍ ضيقٍ صراخ امرأة تحاول إرضاع طفلها من ثديها السائح كعجينةٍ ممطوطةٍ :-
- حلت نهايتنا . رحمتك يا الهي !
ذهولٌ شاحبٌ ركع في وجوهِ وحركات الحفارين ، عيونهم شاحبة باردة جاحظة في تشوشٍ كأنها عيون ضفادع باردة رخيّة تستفهم ببلادة ، حشودهم تنز عرقاً ، عيونه رطبة تجوس خلال الأشياء بترددٍ ، نذور النسوة طمرتها أتربة الحفر ، طمرتْ شموعهم ، زغردتْ المتسولة فرحةً :-
- ولّى زمنُ الغربةِ وعاد نهرنا يجري... يجري .
- عيناها السوداوان زجاجيتان لمعتا بنداوةٍ مكابرةٍ ، قطعتْ الشَّمسُ البرتقاليةُ آلاف القطع بسكاكين حملتها الطيور الأبابيل بمناقيرها ، كأن أهل المدينة منذهلين ينظرون ناحية الطيور الأبابيل ، يرفعون رؤوسَ أصابعهم تتطاول رقابهم شخصت أبصارهم لتشاهد تحت فضة القمر البليلة المتسولة خارجةٍ من قبرها حاملةً ما بين راحتيها اليابستين ذاتي الأصابعِ الطويلةِ غَرَفَةَ دم . دم ساخنٌ وفائر...
لمزيد من الأخبار يرجى الإعجاب بصفحتنا على الفيس بوك : إضغط هنا
لمتابعة أخبار الرأي برس عبر التليجرام إضغط هنا